الأخضر الخَفَّاق.. راية الرَّايات
2026-03-08 - 02:23
اللواء الركن م. الدكتور بندر بن عبد الله بن تركي آل سعود ليس ثمَّة شك أن الجميع يدرك أن العَلَم ليس قطعة قماش كيفما اتفق هكذا فحسب كما يتوهم البعض، بل هو رمز هويتنا وتاريخنا وقيمنا الوطنية والروحية، تعبيراً صادقاً عن عزَّتنا وشموخنا واستقلالنا وسيادتنا ووحدتنا الوطنية، وتلاحم هذا الشعب الوفي مع قيادته المخلصة الرشيدة. وإذ نحتفي بيوم العَلَم الذي يحل عادة في اليوم الحادي عشر من شهر مارس من كل عام، ويوافق اليوم الثاني والعشرين من هذا الشهر العظيم، نحتفي بأغلى راية في العالم وأعزَّها، إذ تحمل كلمة التوحيد من ثلاثة قرون، وستبقى كذلك تحمل النور المسطَّر إلى العالم أجمع، إلى الأبد إن شاء الله. دلالة السيف في رايتنا: أذكر بهذه المناسبة أن محمد حسنين هيكل، الصحفي المصري المعروف، تحدث في إحدى حلقات برنامجه (مع هيكل) الذي كانت تبثّه قناة الجزيرة لمدة أربع سنوات، قائلاً: إن رئيس إحدى الدول الأوروبية سأل ذات مرة عن النَّص المكتوب في عَلَم السعودية، فَتُرْجِمَ له، فقال: (ما عندي مانع!). ثم ذكر هيكل متهكِّماً: (أردف رئيس تلك الدولة الأوروبية قائلاً: ولماذا السيف إذن؟). ثم زاد هيكل بسخريته وتعاليه المعهودين: (هل من أحد يضع سيفاً ليكون أحد عناصر علمه؟!). لقد شاهدت هذا المقطع من حلقة هيكل تلك عَرَضَاً في وسائل التواصل الاجتماعي يُعَاد إنتاجه وتدويره عمداً، من يدٍ ليست خفيَّة علينا نحن السعوديين أثناء كتابة مقالي هذا، فكان لا بد من رد بضاعة هيكل ورئيس تلك الدولة الأوروبيةK وتلك اليد التي ليست خفيَّة عليهم، ولأن الرجل قد أفضى إلى ما عمل، فسأكتفي بالرَّد فقط على حديثه هذا: أولاً: قطعاً لا بد أن تكون تلك الترجمة لدلالة كلمة التوحيد ناقصة، فبجانب دلالتها على صدق عقيدة توحيد أهل هذه البلاد الطيبة المباركة لله ربِّ العالمين، فلا يعبدون غيره، ولا يدعون سواه، تؤكد كلمة التوحيد أيضاً أن دستور بلادنا هو الكِتَاب والسُّنَّةP إذ إن أكبر محارب للفساد هو تطبيق الشريعة الإسلامية التي ليس فيها حصانة لأحد كائناً من كان كما يؤكد دوماً قائد ركبنا المليك المفدى سلمان، بخلاف ما عليه الحال في جميع دول العالم الأخرى. ثانياً: السعودية ليست في حاجة لأخذ إذن من أحد أيَّاً كان في الشرق أو الغرب لتصميم عَلَمِها، فهذا أمرٌ سيادي يخصها هي وحدها، مثلما لا يعنيها كيف تُصَمِّم هذه الدولة أو تلك عَلَمَها. ثالثاً: أمَّا رمزية السيف في علمنا الأخضر الخَفَّاق، راية الرَّايات، التي يجهلها رئيس تلك الدولة الأوروبية مثلما يجهلها هيكل أبضاً، وبالطبع تجهلها تلك اليد الخفيَّة، فليست هي التهديد بجز الرؤوس كما توهموا من تهكمهم وسخرية هيكل وتعاليه؛ بل هو تعبير صادق عن حزمٍ لا هوادة فيه، وعزمٍ لا يعرف التَّردُّد والفتور وحسم ماضٍ لإقامة العدل وتطبيق الشَّرع، ليست فيه منطقة رمادية، فالكل أمام الشَّرع سواءٌ بسواءٍ؛ سعياً لبسط الأمن وتحقيق الاستقرار، حتى يتفرغ الناس للعمل والعبادة. فكل من تُسَوِّل له نفسه نشر الفوضى والاعتداء على حريات الناس وحقوقهم وحرماتهم والفساد في الأرض، فحكمه إلى الشَّرع الحنيف، ولا شفاعة في هذا لأحدٍ أيَّاً كان. وقد أكَّد هذا المفهوم خادم الحرمين الشريفين سيِّدي الوالد المكرم الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود، قائد قافلة خيرنا القاصدة اليوم صراحة في مناسبات عديدة، بل يحرص مقامه السَّامي الكريم دوماً لانتهاز كل مناسبة ليؤكد هذا المفهوم ويُذَكِّر الحاضر به ليبلِّغ الغائب، إذ يقول: (يستطيع أي أحدٍ في هذه البلاد الطيِّبة المباركة، مواطناً كان أو مقيماً أو حتى زائراً، أن يرفع دعوى ضدَّ الملك أو ولي عهده أو أي أحدٍ من أفراد الأسرة الحاكمة أو أيٍّ كان، ويأخذ حقَّه حسب الشَّرع). ليس هذا فحسب، بل طبَّق الملك عبد العزيز آل سعود المؤسس نفسه هذا المبدأ الثابت الرَّاسخ، إذ احتكم إلى الشَّرع أكثر من مرة مع مواطنين عاديين لا حيلة لهم، فكان يجلس على الأرض هكذا كتفاً بكتف مع خصمه، بينما يجلس القاضي سعد بن عتيق على عتبة الباب، فيقضي بينهما ويقبل الملك وخصمه حكم القاضي كيفما كان، لهذا أو على ذاك. وسبق أن ذكرت في أكثر من مقال أن القضاء الذي مصدره الكِتَاب والسُّنَّة، حكم لمواطن عادي ضد الملك فهد، كما حكم لمواطن عادي آخر ضد الملك عبد الله عندما كان وليَّاً للعهد رئيساً للحرس الوطني في عهد الملك فهد أيضاً؛ بل سبق أن طبَّق حادي ركبنا اليوم خادم الحرمين الشريفين سيِّدي الوالد المكرم الملك سلمان بن عبد العزيز، هذا المبدأ أيضاً عمليَّاً، إذ صدَّق حكم الشَّرع بالقصاص ضدَّ أحد أفراد الأسرة الحاكمة.. وهكذا يبقى مبدأ (لا شفاعة في شرع الله لأحدٍ) قولٌ يصدِّقه العمل. فتلك هي دلالة السيف في رايتنا، راية التوحيد، راية الرَّايات يا رئيس تلك الدولة الأوروبية ويا هيكل، ويا تلك اليد التي ليست خفيَّة علينا، بل يا العالم أجمع.. عدلٌ لا محاباة فيه لأحدٍ بسبب سلطة أو جاه، عدلٌ استثنائي لا يعرف العالم له مثيلاً اليوم، أصبح مضرِب الأمثال. ولا بد أن كثيرين قد سمعوا أن كثيراً من الإخوة الوافدين الذين يعيشون بين ظهرانينا، يتمنون قضاء بقية حياتهم في هذا البلد الطيب المبارك، بسبب هذا العدل الفريد الذي أصبح علامة سعودية فارقة مسجلة بامتياز، لا مكان فيه لظلم أحدٍ مهما كان، القوي فيه ضعيف حتى يؤخذ الحق منه، والضعيف فيه قوي حتى يؤخذ الحق له.. عدلٌ قال عنه أمين الريحاني، أول من كتب عن الملك عبد العزيز آل سعود: (شاهدت من مظاهر العدل في بلاد نجد ما لم أشاهده في البلاد العربية كلها، بل ما وجدت خارج نجد بلاداً تتمثل فيها هذه الحكمة “العدل أساس الملك” ذلك التمثُّل الصحيح.. عدل ابن سعود كلمة تسمعها في البحر وفي البر وفي طريقك إلى نجد قبل أن تصل إليها، كلمة يرددها الركبان في كل مكان يحكمه سلطان نجد، من الإحساء إلى تهامة ومن الربع الخالي إلى الجوف).. وأضِيْف: وهو عدلٌ متوارث، ما زال قائماً، وسيظل هكذا يحمي دفَّة قافلة خيرنا القاصدة إلى الأبد إن شاء الله، ويوجهها صوب غايتها النبيلة. وبعد: تلك هي دلالة السيف في الرَّاية السعودية يا رعاكم الله، ليس جز الرؤوس والتخويف وإثارة الذعر في النفوس كما يتوهم المغرضون الحاقدون الحاسدون، بل حزم لا هوادة فيه ضماناً لإقامة العدل وبسط الأمن وتحقيق الاستقرار، حفظاً للأرواح والأعراض والدماء والحقوق ومحافظة على الكرامة.. فهل أدركت يا رئيس تلك الدولة الأوروبية ويا هيكل ويا من سار على نهجهما سرَّ وجود السيف في علم السعودية؟!. أتمنى ذلك. دلالة اللون الأخضر في رايتنا: الحقيقة كنت أتمنى، بل كنت أقبل برحابة صدر إن تساءل رئيس تلك الدولة الأوروبية أيضاً عن سرِّ اللون الأخضر الذي يميز علم السعودية دون غيره من سائر الألوان؛ لكن لأنه يعلم جيداً أكثر مما يدرك هيكل أن اللون الأخضر يرمز بشكل أساسي للإسلام والخصب والنماء والسلام والاستقرار والازدهار والرخاء والعطاء، وهو يمثل لون الحياة والتنمية والتقدم، مستمداً دلالته التاريخية رمزاً فريداً مميزاً لدولة الرسالة السَّامية العظيمة منذ بزوغ فجرها الأول، غير أن رئيس تلك الدولة الأوروبية لم يفعل لأن الأمر كما وصفه الإمام الشافعي: عين الرضا عن كل عيب كليلة لكن عين السخط تبدي المساويا نموت ولا تسقط رايتنا: لا شك أنكم تذكرون غزوة مؤتة التي حدثت في السَّنة الثامنة للهجرة الموافق 629م، في أول مواجهة للمسلمين ضد الروم، بين ثلاثة آلاف من جيش المسلمين مقابل مائتي ألف جندي من الروم وحلفائهم، ولا أريد الخوض في أسباب الغزوة وأحداثها وما انتهت إليه، فذلك أمر معروف للجميع بالضرورة، بل أكتفي بالشاهد فقط في وجوب الدفاع عن الراية حتى الموت. فبعد أن جهّز النبي- صلى الله عليه وسلم- الجيش، أَمَّرَ عليهم بالترتيب: زيد بن حارثة، فإن قُتِل فجعفر بن أبي طالب، فإن قُتِل فعبد الله بن رواحه، فإن قُتِل فليختر الناس رجلاً. ولما استشهد زيد بن حارثة، حمل الراية جعفر بن أبي طالب تنفيذاً لأمر النبي صلى الله عليه وسلم، وظل يدافع عنها بكل ما أُوتِي من قوة وسعة حيلة، حتى قطعت يده اليمنى، فحمل الراية بيده اليسرى، فلما قطعت، احتضن الراية بعضديه حتى استشهد. فبشَّره الرسول عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم بأن الله عوَّضه بدل يديه جناحين يطير بهما في الجنة، فَلُقِّبَ بـ (جعفر الطيار). وقال النبي صلى الله عليه وسلم في حقِّه: (على جعفر فلتبكٍ البواكي). فهكذا تكون البطولة والتضحية من أجل أن تبقى الراية عالية خفَّاقة، إذ رفض الصحابي الجليل البطل الشجاع جعفر بن أبي طالب التَّخلي عن راية المسلمين حتى بعد قطع يديه الاثنتين، مكافحاً بكل السبل على عدم سقوطها، حتى استشهد وهو يحملها، فأخذها بعده عبد الله بن رواحة القائد الثالث تنفيذاً لأمر النبي صلى الله عليه وسلم، فاستشهد دونها أيضاً. فاختار الناس خالداً ابن الوليد، وبقية الأحداث معروفة للجميع. فنحن هنا في المملكة العربية السعودية، حِرْز المسلمين وخيمة العرب الكبيرة، من أولئك القوم الذين يدفعون حياتهم ثمناً زهيداً لتظل راية الإسلام عالية خفَّاقة إلى الأبد إن شاء الله، فسقوط الراية لا سمح الله هو سقوط للدولة، وبالتالي وضع نهاية لرسالتنا السامية العظيمة، ولهذا لن تسقط رايتنا أبداً إن شاء الله ما دام فينا عرق ينبض بالحياة، حتى نفنى كلنا دون رسالتنا. عاش الملك للعلم والوطن: أذكر أنه في احتفائنا بإحدى مناسباتنا الوطنية، رأيت مشهداً مؤثراً لم يغادر الذاكرة أبداً: اندفع قائد قافلة خيرنا القاصدة، خادم الحرمين الشريفين، سيِّدي الوالد المكرم الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود، بسرعة نحو شباب يحملون الراية السعودية، الأخضر الخَفَّاق، راية الرَّايات، فالتزمها بيديه كلتيهما ثم احتضنها وقبَّلها، فسال دمع مقامه السَّامي الكريم مدراراً على خدِّه حتى بلَّلها. أجل، كانت تلك لحظة مؤثرة، بل شديدة التأثير، بدا لي فيها أن قائدنا إلى المكرمات الملك سلمان، وهو أعرفنا بتاريخنا وإرثنا الثقافي الحضاري، قد استعرض في تلك اللحظة المؤثرة شريطاً طويلاً من الذكريات مرَّ أمام ناظريه سريعاً، يحكي قصة هذا الوطن الذي أصبح اليوم صرحاً شامخاً؛ فكان يرى في ذلك الشريط جدَّه الأعلى مانع المريدي وهو يحث الخطى قادماً من الدرعية شرقي شبه الجزيرة العربية، استجابة لدعوة ابن عمِّه ابن درع، ليستقر به المقام أخيراً في المليبيد وغصيبة على وادي حنيفة، ثم يبدو له جدَّه الإمام محمد بن سعود وقد أسس الدرعية لتشكل اللبنة الأولى للدولة السعودية الأولى، ثم بدا له أفول نجمها، ثم بزوغ فجرها من جديد على يد جدِّه الإمام تركي بن عبد الله بن محمد بن سعود، وما تعرضت له الدولتان الأولى والثانية من نكبات وما تغلبت عليه من مصاعب، حتى جاء والده الملك عبد العزيز آل سعود ليستعيد ملك آبائه وأجداده من جديد فجر الخامس من شوال 1319ه. كما بدا لي أن مقامه السَّامي الكريم كان يرى في شريط الذكريات ذلك، تضحيات أولئك القادة الأبطال الأفذاذ من أجداده وآبائه المؤسسين وهم يقودون جيش التوحيد ويباشرون الملاحم بأنفسهم، بل كانوا أول من يلقون العدو بصدورهم؛ ثم بدت له مسيرة ثلاثة عقود من كفاح والده ورجاله الأوفياء المخلصين في معارك توحيد البلاد، ومن ثمَّ أبنائه من بعده الذين قادوا القافلة على خطى والدهم المؤسس، وصولاً إلى هذا العهد الميمون الزَّاهر.. أجل كانت تلك لحظة مشحونة بعاطفة جياشة لأبطال أفذاذ، سطروا لنا تاريخاً عريقاً، وتركوا لنا إرثاً عظيماً. أقول: بدا لي أن تلك اللحظة التي كانت مشحونة بعاطفة جيَّاشة، استعرضت تاريخ هذه الدولة المباركة الفتية وما تغلَّبت عليه من مصاعب وما حققته من إنجازات أشبه ما تكون بالمعجزات لشعبها وللعرب وللمسلمين وللعالمين أجمعين.. فكانت دموع المليك المفدى في تلك اللحظة المفعمة بالعاطفة، دموع شكر لله عزَّ و جلَّ على هذا الوطن الكبير الشامخ، الذي تشرئب إليه أعناق العرب والعجم من كل فجٍّ عميق، ثم دموع عرفان وامتنان للقادة الأبطال الأفذاذ من الآباء والأجداد المؤسسين وشعبهم الوفي المخلص الصامد، الذين حملوا أرواحهم على أكفهم، وتحملوا من المصاعب والمتاعب ما تنوء بتحمله الجبال الراسيات، ليورثونا اليوم وطناً عزيزاً غالياً يحسدنا عليه العدو ويغبطنا عليه الصديق. ولما كان العَلَم رمزاً لهذا الوطن الفريد، استحق أن نحتضنه ونُقَبِّلَه ونبلِّله بالدموع الغزيرة، وندافع عنه بكل ما أوتينا من قوة، بل نستميت من أجل أن تظل رايتنا عالية خفَّاقة أبد الدهر، ولنا في الصحابة الثلاثة قادة موقعة مؤتة الشهداء الكرام الأبرار، زيد بن حارثة وجعفر بن أبي طالب وعبد الله بن رواحه خير قدوة ومثال، إذ دفعوا أرواحهم الطاهرة النقية ودماءهم الزكية ثمناً للدفاع عن راية الإسلام. لحظة مغايرة تماماً: وبالمقابل، ولما كان الشيء بالشيء يذكر، للأسف الشديد، شاهدت رئيس إحدى (الجمهوريات) أثناء الاحتفاء بذكرى (استقلال) بلاده، عندما قدَّمه المذيع لمخاطبة الجماهير المحتشدة، يرمي عَلَم بلاده الذي كان يحمله على الأرض وهو يتقدم نحو المنصَّة ليصلح هندامه، في حركة غريبة تناقض تماماً معنى (الاستقلال) الذي يزعم أنه يحتفل به. فتملكني شعور مزعج مثير للغثيان. ولا أكتمكم سرَّاً، فقد كانت دهشتي من تلك الجماهير التي كانت تصفق بحرارة لرئيسها ذاك، مع أنها كانت تراه وهو يرمي عَلَم بلاده على الأرض في يوم الاحتفال بذكرى (الاستقلال) دونما أدنى مبالاة.. كانت دهشتي أكبر من شعوري تجاه رمي الرئيس للعَلَم. عندها فقط أدركت لماذا تحوَّلت (جمهورية) ذلك الرئيس إلى دولتين، ولماذا تفجَّرت فيها اليوم حرب أهلية دامية، تسببت في أسوأ مأساة وكارثة إنسانية يشهدها العصر الحديث على الإطلاق، بل ربَّما أسوأ مأساة إنسانية شهدها التاريخ نتيجة لما تم ارتكابه فيها من جرائم بشعة بحق الأبرياء العزَّل الذين لا حول لهم ولا قوة، بل لا ناقة لهم ولا جمل في الصراع الدائر. فالوطن يبدو في مفهوم ذلك الرئيس وأمثاله من رؤساء (الجمهوريات) مجرد تجارة وسمسرة ووسيلة للثراء والمتعة وحياة البذخ، دون أدنى اهتمام بأمنه واستقراره و (استقلاله) الذي يُفْتَرَض أنه كان يحتفي به بما يستحق وراحة شعبه؛ وليس تضحية وفداء بالغالي والنفيس وعمل متصل ليل نهار كما يفعل قادتنا الكرام البررة وشعبنا المخلص الوفي لقادته، الذي يدمن عشق كل ذرة رمل في ثرى وطنه العزيز الغالي الذي ليس مثله في الدنيا وطن. أولئك القادة الذين تجاوز همهم حدود بلادهم ليتطلعوا إلى خير العالم، كما بدا واضحاً في تهنئة خادم الحرمين الشريفين سيِّدي الوالد المكرم الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود بمناسبة حلول شهرنا المبارك هذا: (نسأل الله تعالى أن يبارك لنا في هذا الشهر الفضيل، ويتقبل منَّا صالح الأعمال، وأن يديم على بلادنا الأمن والرخاء، وأن ينعم على الأشقاء في فلسطين والأُمَّة الإسلامية والعالم أجمع بالسلام والاستقرار). ولهذا تجدنا نحن السعوديين لنا دعاء ثابت في كل صلواتنا نداوم عليه باستمرار: (اللهم لا تغير علينا). نظام العَلَم: بالطبع لكل دولة نظام خاص يحدِّد كيفية التعامل مع عَلَمِها، ويحفظ له مكانته وتقديره في النفوس، ويفخر به ويعتز. و أورد في ما يلي بعض أهم التعليمات التي اشتمل عليها النظام الخاص بعَلَمِنا، راية التوحيد، راية الرَّايات: توقيره رمزاً للسيادة الوطنية والوحدة، وتعبيراً عن المصير المشترك والتلاحم بين القيادة والشعب وثرى الوطن ومقدساته ومكتسباته، وعنواناً للأمجاد. عدم تنكيسه مطلقاً لاحتوائه على كلمة التوحيد، ومعلوم أنه العَلَم الوحيد في العالم الذي يتميز بهذه الخاصية. ضرورة مراعاة عناصره عند تصميمه من حيث الطول والعرض، نسبة العرض إلى الطول، اللون، المساحة التي تشغلها كلمة التوحيد وخط الثلث الذي يستخدم في كتابتها، طول السيف وشكله، اتجاه مقبضه بالنسبة للسارية، المسافة بينه وبين كلمة التوحيد... إلخ. عدم تزيينه أو وضع أي إضافات عليه غير عناصره الأساسية التي نصَّ عليها النظام. عدم استخدامه لأغراض تجارية. ينبغي أن يكون نظيفاً ومكويَّاً دائماً. حمايته من الاعتداء عليه بأي شكل من الأشكال، وعدم إسقاطه على الأرض أو إهانته أو إتلافه، أو الإتيان بأي فعل يعبر عن الكراهية والازدراء. عدم تفصيله ثياب بأي شكل من الأشكال: ثوب، قميص أو حتى عباءة. مراعاة اللوائح التي تتعلق برفعه إن كان لوحده أو مع أَعلام دول أخرى، ورفعه بشكل سليم حسب النظام المتَّبع، وعدم رفعه في حالة سيئة كتغير لونه وما يصيبه من تمزق نتيجة العوامل الجوية؛ وأيضاً مراعاة اللوائح التي تتعلق بطيِّه بحيث لا يلامس الأرض أو الماء، وجعل كلمة التوحيد تظهر في الأعلى بينما يظهر السيف على الوجه الآخر، وطيِّه عند الانتهاء من مهمته ومن ثم حفظه في الحافظة الخاصة به. استبداله بشكل دوري سعياً للمحافظة على ألوانه ورونقه. عدم استخدامه لأي غرض غير الغرض المخصص له، كاستخدامه مثلاً في الربط أو حمل الأثقال... إلخ من تعليمات اشتمل عليها النظام الخاص بالعّلَم. وبعد: لما كان العالم يمر اليوم بمرحلة صعبة، لاسيَّما منطقتنا هذه التي يتربص الجميع بها طمعاً في ما حباها الله به من ثروات، وحقداً وحسداً على ما تنعم به من أمن واستقرار، كان لزاماً علينا كلنا أن نستحضر دوماً مقولة الأمير نايف بن عبد العزيز رحمه الله: (المواطن هو رجل الأمن الأول). فلنكن حذرين غاية الحذر لكل من تسوِّل له نفسه العبث بأمننا واستقرار بلادنا، ولنكن خير عون لرجال الأمن ولجنودنا البواسل الذين يحملون أرواحهم على أكفهم لحماية ثرانا الطاهر، لننعم نحن جميعاً بالأمن والأمان فننام ملء جفوننا، فيما يسهرون هم في الثغور قابضين على الزناد، ولنداوم على الدعاء بقلب صادق في هذا الشهر العظيم، أن يحفظ الله قادتنا ويعينهم ويوفقهم ويمتعهم بالصحة والعافية، وأن يحفظ رجال أمننا وجنودنا البواسل، وأن يديم على بلادنا نعمة الأمن والأمان والاستقرار، وأن يجعل كيد كل من يتربص ببلادنا في نحره. أخيراً: على كل من لم تخالجه المشاعر نفسها التي خالجت قائد قافلة خيرنا القاصدة، خادم الحرمين الشريفين، سيِّدي الوالد المكرم الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود، يوم اندفع تجاه رايتنا فالتزمها واحتضنها وقبَّلها حتى بلَّلتها دموعه الكريمة، على كل من لم تخالجه مثل تلك المشاعر الجياشة المفعمة بحب الوطن كلما وقعت عينه على علم بلاده، أن يراجع صدق انتمائه لوطنه وولائه له.